الدكتورة نهلة درويش ، تكتب : سلاحي وكفاحي ضد ثقافة المجتمع المعاق..
الدكتورة نهلة درويش ، تكتب : سلاحي وكفاحي ضد ثقافة المجتمع المعاق..
الوطن العربى اليومية - القاهرة ..
حصلت منذ نعومة أظفاري على لقب "معاق".. درجة – ليست شرفية بالتأكيد – لم اسعَ لنيلها.. عشت حياتي وهذا اللقب ملاصق لتصنيفي.. ربما لم اسمعه يصدر مباشرة من أفواه البشر، ولكني كنت أراه في أعينهم، إيماءاتهم، همسهم بصوت منخفض، ردود أفعالهم، تعجبهم وأسألتهم الجارحة..
ماذا بك؟.. ما الذي أصابك؟.. ما سبب هذا؟.. ويبدءون في سرد جمل المواساة والإشارة إلى حجم البلوة والمصيبة والابتلاء الذي وقع علي.. ثم بعد ذلك يحاولون في أعطاء النصائح الفهلاونية التشخيصية والعلاجية؛ فمثلاً يقولون لعلك تكون ممسوس من الجن، لذا أفضل شيء لدائك هو أن تلجأ إلى الشيخ فلان الفلاني، أو لعل الوصفة البلدي التي سبق وجربها فلان الفلاني ستنفع وتعافيك من ابتلاءك.. لا، لا، بل الحل الشافي هو الذهاب إلى الحسين أو السيدة زينب لطلب الشفاعة ونيل معجزة الشفاء العاجل.. حيث هناك يظل البعض يناجي ببعض الدعوات طلباً للشفاء من الداء الذي أصاب أحبابهم..
نعم، الإيمان بقدرات شيخ ما، أو بركة مكان أو ضريحاً ما، والمعتفدات الخرافية مازالت، ولا تزال، فعالة وسارية، حتي يومنا هذا ونحن نحتفل باليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة لعام 2014.. فلا يزال المجتمع يصنع عراقيل ويضع اتلالاً من العقبات أمام أصحاب الأمراض المزمنة بكافة فئاتهم وباختلاف المشاكل الصحية التى يعانون منها..
ومن هنا تنتشر ثقافة المجتمع "المعاق".. وعلى الرغم من أنني لا أحبذ استخدام هذه الكلمة على الأطلاق،، أي كلمة المجتمع المعاق.. إلا أنني اعتقد أنها تجسد التعبير الجيد عما يصنعه المجتمع من أثقال رجعية على أصحاب الحالات المرضية المزمنة وعلى ذويهم.. إذ تعمل ثقافة المجتمع "المعاق" على زيادة العبء والحمل على كاهل أباء وأمهات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بمشاكل صحية معقدة.
من بين الأثقال الرجعية التي يصنعها ثقافة المجتمع "المعاق"، على سبيل المثال، تلك الصعوبات التي يواجهها أولياء أمور ذوي الاحتياجات الخاصة في إجراءات تسجيل أبناءهم في المداراس.. وربما لا تقتصر الصعوبات على إجراء دخول المدارس فقط، بل تمتد إلى أبعد من ذلك، من حيث تعاون المدرس واهتمامه بتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة وتشجيعه لهم في الاستمرار في التعليم، عدم وجود معلمين مؤهلين بالدرجة المطلوبة للتعامل مع هذا الفئات، أو حتى وجود فصول ودورات مياه مخصصة للحالات الخاصة، أو وجود مصاعد ومنحدرات لمستخدمي الكراسي المتحركة..
ولا يجب أن تتوافر هذه التيسيرات في المدارس فقط، بل من الضروري أن تتوافر أيضاً في جميع المنشآت والمباني العقارية.. حيث نجد أن المنشآت السياحية تحرص على توفير تلك التيسيرات ضمن مبانيها وقراها السياحية، وذلك لأنها تحرص على اتباع الثقافة التقدمية المتحضرة، غير ثقافة المجتمع "المعاق"، في معاملة الفرد واحترام قيمته الإنسانية وتوفير التسهيلات اللازمة لتلبية احتياجاته المعيشية وشئونه اليومية.
ثقافة المجتمع "المعاق" لا تمنح كثير من الاهتمام بتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة وتنمية قدراتهم، والنهوض بما قد يتمتعون به من ملكات إبداعية.. فهناك بعض النماذج التي استطاعت أن تحقق نجاحات مبهرة وجاءت بإنتاجات مبدعة.. ولكن ثقافة المجتمع "المعاق" قد تضع كثير من العراقيل أمام إنطلاق هذه الطاقات الإبداعية، وتظل تضع العراقيل التي تساهم في بث الكسل وسقوط الهمم لصناعة شخص متعلم، نعم لديه مشاكل صحية خاصة، ولكنه شخص تلقى تعليماً بدرجة ما، وحصل على معرفة قد تساعده على تفتح مداركه وإنارة طريقه والتكيف مع مشاكله بصورة ما..
نحن لسنا بحاجة إلى مزيد من الجهل، ولكن ثقافة مجتمعنا "المعاق"، بأفراده أصحاب الأفكار الرجعية، تشجع على تزايد نمو الجهل بعدم اهتمامها بتعليم أبناءها من ذوي الاحتياجات الخاصة، وعدم حرصها على تنمية قدراتهم المعرفية.. ثقافة مجتمعنا "المعاق" لا تشجع فقط نمو الجهل بين أبناءنا من ذوي الاحتياجات الخاصة، بل تشجع أيضا نمو النزعة الانهزامية والشخصية الاتكالية التي لا تميل للكفاح والنضال.. ثقافة مجتمعنا "المعاق" قد تحرم أصحاب المشاكل الصحية المزمنة من الحصول على بعض المزايا الحياتية، بل وقد تسكثر عليه حق التمتع ببعض النعم أو الأساليب الحياتية المميزة.. مثل حق التعليم، الحصول على المعرفة والتثقيف من خلال الذهاب للمكتبات العامة، حق الحصول على فرصة عمل وأن يكون له مورد مالي مستقل، حقه في الذهاب والتنقل لمختلف الأماكن التي يريد الذهاب إليها سواء للعمل أو تلقي العلاج أو الإدلاء بصوته الإنتخابي أو التنزه والترفيهه.. الخ دون أن يكون هناك أي عقبات تمنعه من تحقيق ذلك..
وعلى الرغم من أنه لدينا بعض القوانين التي تحافظ على بعض حقوق المواطنين من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أنه قد لا يأخذ بها في جميع الأماكن، أو أنه لا يتم تفعيلها بالدرجة الكافية.. إذ نجد أن ثقافتنا ومنظومتنا الروتينية لا تساعد بأي شكل من الأشكال على تذليل الصعوبات وحل المشاكل المختلفة في حياة ذوي الاحتياجات الخاصة.. وكأن ثقافتنا عازمة ومصرة على إضافة مزيد من الهم والغم عليهم، وتزيد حياتهم صعوبة وتطلعاتهم احباطاً.
ومن المؤكد أن النماذج من ذوي الاحتياجات الخاصة التي استطاعت تحقيق بعض النجاحات وتخطت جبال من الصعاب، قد ناضلت وحاربت كثير من الأفكار الرجعية في ثقافة مجتمعنا، تلك الأفكار التي تكون راسخة في عقول بعض البشر الذين يكون هوايتهم الوحيدة تعقيد الأمور وسد الأبواب، وذلك لأنهم لا يؤمنون بالطاقات الخاصة التي يمكن أن تكون لدى أصحاب المشاكل الصحية المزمنة، ولا يبدون كثير من الاحترام والتقدير لمعاناتهم خلال رحلتهم الحياتية.. حيث أن الشخص ذوي الاحتياجات الخاصة في ثقافة المجتمع "المعاق" قد يحمل مرتبة جندي مجتهد ومحارب عنيد يناضل من أجل أن يحيى حياة كريمة، هذا المحارب يجب أن يتسلح بعدد لا بأس به من الأسلحة، من بينها الصبر والمثابرة وقوة التحمل والعزيمة والعلم والمعرفة ودرجة من الذكاء حتى يمكنه التكيف مع ظروفه والتفاعل مع الأخرين والتعايش مع بعض الأجواء مهما تكلف الأمر..
=======================
كاتبة المقال :
الأستاذة الدكتورة نهلة أحمد درويش
دكتوراة في الآداب - علم الاجتماع
هذا الموضوع قابل للنسخ .. يمكنك نسخ أى رابط من تلك الروابط الثلاثة ولصقه بصفحاتك على المواقع الإجتماعية أو بموقعك
URL: HTML link code: BB (forum) link code:


