الأستاذ محمد إقبال حرب ، يكتب : الصراخ لا يُجدي
الأستاذ محمد إقبال حرب ، يكتب : الصراخ لا يُجدي
الصراخ لا يُجدي بلا صوت، والنداء خاوٍ بلا صدىً، يرتد إلى مسمعي. السكون غامر في يوم تراجَعت عن عيناي ألوان الوجود في حيِّز يصغر ويصغر.
الغوث الغوث... يا رباه
الجسد لا يستجيب, والحركة لا تحرِّك ساكناً في جسمي العاري... لا أدري من عرَّاه في رقعة زمن مسروقة من سجل أوقاتي. كأنني لم أكن موجوداً، بل وكأنني ولدت من جديد بجوارح أُخرى. أنا لا أرى ولكنني أعرف أنني عارٍ، أستشعر بديع الصنعة وتناسق السمات في جسد كان نابضاً، وكأنني أدرك أنني مخلوقٌ ضعيفٌ للمرة الأولى... إنه جسدي.
أشياء تتساقط فوق حُجرة ضيقة تحتويني... ضيقة جداً. صداها يثير رغبتي في معرفة ما يجري. أصوات متزاحمة بين أنَّاتٍ ونحيبٍ لسبب لم أدركه بعد.
النور تلاشى كلياً، الهواء لا يلامس كياني للمرة الأولى مذ وطِئت كوكب الأرض على ما أذكر. بشت أسراري لوهلة السكون، قبل أن يصفعها سواد قاتم بزمهرير الوحدة. نعم أشعر بالبرودة، البرودة ليست في جسمي فحسب بل في صميم كياني. بدأ الرعب يتسلل مع دبيب مخلوقات صغيرة آتية من كل حدب وصوب بجد ونشاط يشدُّها جوع مزمن لبشرة ابن آدم... بدأت رحلة تفكيكي... تدميري من ديدان الفناء.
مَنْ هناك؟
السكون لا يجيد لغة الحوار. لكنني أراهما، ولا أدري كيف، شبحان قادمان من البعيد بهالة من نور عبر أفق غير معهود يطلباني حثيثاً. نبذتني ذاتي هالعة كي ألقى مصيري وحيداً... كما خانني الضوء والهواء، بل كما خان القلب شراييني. شيء ما يفكك كيان روحي كما تفكك الديدان خلايا جسدي. لم يخطر ببالي أنني سأشهد جسدي يتلاشى خلف بقايا مشاعري. بل لم أحسَب أن هذا اليوم سيأتيني مباغتاً, يلتفني ببطء يقبض على سجل حياتي, يحطم ما كان أنا.
هل كان الإنذار واضحاً؟ هل تجاهلته عن قصد وإصرار؟ لم يعد يهمُّني الجواب فالوقت قد أزف والرحلة قد بدأت.
لا, ها أنا غير ذاك الأنا... أجالسٌ أنا أم واقف لا أدري؟ كل ما أدريه أنني هنا في كينونة لم أعهدها من قبل أمام هالتين لا أعرف من هما.
يا لهول المصاب, يا لقرب الحساب!!!
أخذتني رهبة الاندثار، بينما يرثيني دبيب أقدام راحلة من على تربتي وصدى هَمْسها يهتف من البعيد "إنا لله وإنا إليه راجعون".
هذا الموضوع قابل للنسخ .. يمكنك نسخ أى رابط من تلك الروابط الثلاثة ولصقه بصفحاتك على المواقع الإجتماعية أو بموقعك
URL: HTML link code: BB (forum) link code:




مشاعر رقيقة ... شكرا لك على هذا التعبير الحساس
د. درية فرحات